بوابة صيدا ـ في مثل هذا اليوم 5 حزيران / يونيو 1967م (27 صفر 1387هـ) انطلقت الطائرات من القواعد الإسرائيلية بارتفاعات منخفضة لتصنع زلزالاً عسكرياً طوى أحلام أمة في بضع ساعات.
132 ساعة من القتال العنيف كانت كافية لتغيير وجه الشرق الأوسط، حيث سقطت سيناء والجولان والضفة، وانحنت أسوار القدس الشرقية أمام احتلالٍ مرير.
تعيد "بوابة صيدا" اليوم فتح الصندوق الأسود لـ "النكسة" لنفكك بالحقائق والأرقام تفاصيل الضربة الجوية الخاطفة، وكواليس ميزان القوى بين الجيوش العربية وإسرائيل، وكيف تحولت مرارة الهزيمة إلى وقود أشعل لاحقاً ملاحم الاستنزاف والعبور في أكتوبر 1973.
لم تكن حرب "حرب الأيام الستة" عام 1967 وليدة صدفة، بل جاءت نتاج تصعيد مستمر وتجاذبات حادة في لغة الحرب الباردة، فقد تصاعد التوتر بين إسرائيل وسوريا بسبب محاولات تحويل مجرى نهر الأردن، وتزايد العمليات الفدائية الفلسطينية المنطلقة من الجبهة السورية والأردنية، والتي كانت تقابلها إسرائيل بردود عسكرية عنيفة (مثل معركة السموع في الأردن).
في أيار / مايو 1967م، مرر الاتحاد السوفيتي معلومات استخباراتية (تبين لاحقاً أنها غير دقيقة) إلى مصر تفيد بحشد إسرائيل 11 لواءً عسكرياً على الحدود السورية تمهيداً لغزوها، رداً على هذا الحشد الإسرائيلي، اتخذ الرئيس جمال عبد الناصر ثلاث خطوات متسارعة:
إعلان حالة التعبئة العامة وإرسال حشود عسكرية ضخمة إلى شبه جزيرة سيناء.
الطلب من قوات الطوارئ الدولية الانسحاب من الحدود ومنطقة شرم الشيخ.
إغلاق مضايق تيران في وجه الملاحة الإسرائيلية، وهو ما اعتبرته إسرائيل ذرائع إعلان الحرب وخنقاً اقتصادياً لها.
ميزان القوى العسكرية (مقارنة القدرات)
كان العدد الإجمالي للقوات العربية الثلاث قرابة 547000 جندي، و 264000 جندي إسرائيلي (بعد التعبئة الكاملة للاحتياط).
الدبابات والمدرعات للجيوش العربية نحو 2500 دبابة (معظمها سوفيتي حديث مثل T-54 وT-55). وفي الجانب الإسرائيلي 800 إلى 1000 دبابة (أمريكية وفرنسية وبريطانية)
الطائرات المقاتلة للجيوش العربية نحو 950 طائرة مقاتلة (سوفيتية مثل ميج-21 وسوخوي-7). وفي الجانب الإسرائيلي نحو 300 طائرة مقاتلة ( أمريكية و فرنسية).
رغم التفوق العددي العربي، تفوقت إسرائيل في سلاحها الجوي الفتاك، حيث خضع الطيارون الإسرائيليون لتدريبات مكثفة على دقة القصف الأرضي السريع، وكانت لديهم معلومات استخباراتية دقيقة (عبر التجسس الصامت) عن مواقع المطارات العربية وإحداثيات الرادارات ومواعيد تبديل نوبات الحراسة.
وأيضاً تفوقت إسرائيل بالقيادة الموحدة للجيش، مقابل التشتت العربي، فقد كانت القوات الإسرائيلية تعمل تحت قيادة واحدة وغرفة عمليات مرنة (بإشراف موشيه ديان وإسحاق رابين)، بينما عانت الجيوش العربية من ضعف التنسيق المشترك، وتداخل الصلاحيات السياسية والعسكرية (مثل الخلاف بين المشير عبد الحكيم عامر وجمال عبد الناصر في مصر).
في 5 حزيران / يونيو 1967 / (27 صفر 1387هـ) في الساعة 7:45 صباحاً شنت إسرائيل ضربة جوية خاطفة وشاملة استهدفت 11 مطاراً عسكرياً مصرياً.
طارت الطائرات الإسرائيلية بارتفاعات منخفضة جداً لتفادي الرادارات، و في غضون 3 ساعات، تم تدمير 85% من سلاح الجو المصري وهو على الأرض، وطبقا للبيانات الإسرائيلية فإنه تم تدمير 209 طائرات من أصل 340 طائرة مصرية.
بعد شل الطيران، تقدمت المدرعات الإسرائيلية في سيناء، وأمام غياب التنسيق، أصدر المشير عبد الحكيم عامر أمراً كارثياً بـ "الانسحاب العام والمنظم" إلى غرب القناة في 6 حزيران، مما حول الانسحاب إلى تراجع عشوائي تحت قصف الطيران الإسرائيلي، فاستولت إسرائيل على كامل سيناء حتى شرق قناة السويس.
دخل الأردن الحرب تلبية لنداء الدفاع المشترك (بين مصر والأردن) و قامت القوات الجوية الأردنية بقصف مطار قرب كفار سركن، فرد سلاح الجو الإسرائيلي بقصف عدة مطارات أردنية منها المفرق وعمان، ودمر 22 طائرة مقاتلة و5 طائرات نقل وطائرتيْ هليكوبتر، وشن هجوم بري عنيف أسفر عن سقوط الضفة الغربية والقدس الشرقية (بما فيها المسجد الأقصى وكنيسة القيامة) في 7 حزيران بعد معارك شرسة (أبرزها معركة تل الذخيرة).
أما الطيران السوري فقد قصف مصافي البترول في حيفا وقاعدة مجيدو الجوية الإسرائيلية، بينما قصفت القوات العراقية جوا بلدة نتانيا على ساحل البحر المتوسط، فرد جيش الاحتلال بقصف المطارات السورية ومنها الدمير ودمشق، ودمر 32 طائرة مقاتلة من نوع ميغ، و2 اليوشن 28 قاذفة. وهاجم القاعدة الجوية هـ3 في العراق، كما رد بهجوم بري واقتحم هضبة الجولان الحصينة في 9 حزيران، وسقطت مدينة القنيطرة.
وذكرت المصادر الإسرائيلية أن 416 طائرة مقاتلة عربية دُمرت، بينما خسرت إسرائيلي 26 طائرة مقاتلة.
توقفت الحرب مساء يوم 10 حزيران/يونيو 1967م (2 ربيع الأول 1387هـ) وصدر قرار من مجلس الأمن 236 الساعة الرابعة والنصف من يوم 11 حزيران / يونيو ينص على إدانة أي تحرك للقوات بعد 10 حزيران/يونيو.
حظيت إسرائيل بدعم سياسي ودبلوماسي واستخباراتي هائل من الولايات المتحدة الأمريكية، حيث ضمنت واشنطن منع أي قرار دولي يوقف الحرب قبل تحقيق إسرائيل لأهدافها، كما كانت الطائرات الفرنسية تمثل العمود الفقري لسلاح الجو الإسرائيلي.
و دعم الاتحاد السوفيتي الدول العربية سياسياً وعسكرياً قبل الحرب، وطالب بوقف العدوان فوراً، وهدد بالتدخل عسكرياً لحماية دمشق والقاهرة من السقوط، مما سرع بصدور قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار، لكن الدعم العسكري المباشر أثناء القتال لم يكن فعالاً لسرعة الحسم الإسرائيلي.
رغم الخلافات السياسية السابقة، سارعت دول عربية غير مواجهة لإرسال قوات مساعدة، فأرسل العراق لواءً عسكرياً وطائرات، وأرسلت الجزائر والكويت والسعودية والسودان وليبيا قوات رمزية، وقامت بعض الدول بقطع النفط مؤقتاً، وهو التضامن الذي تبلور لاحقاً في "قمة اللاءات الثلاث في الخرطوم" في آب / أغسطس 1967.
الخسائر البشرية والمادية الجانب العربي:
مقتل وفقدان قرابة 15000 إلى 20000 جندي (معظمهم من الجيش المصري) و عدد الجرحى بين 40 و 45 ألف عسكري، وأسر الآلاف، وتدمير ما يقرب من 70- 80% من العتاد العسكري الثقيل للدول الثلاث.
الجانب الإسرائيلي: مقتل قرابة 800 إلى 1000 جندي، وإصابة نحو 4500 آخرين، واستطاعت القوات العربية اسر بين 15 و 20 جندي إسرائيلي.
انتهت الحرب باحتلال إسرائيل أراضٍ شاسعة فاقت ثلاثة أضعاف مساحتها قبل الحرب؛ حيث سيطرت على شبه جزيرة سيناء، قطاع غزة، الضفة الغربية، القدس الشرقية، وهضبة الجولان.
وتم تهجير قرابة 300000 فلسطيني جديد من الضفة والقطاع، ونحو 100000 سوري من الجولان.
بعد تراجع الرهان على الجيوش النظامية العربية، برزت حركة المقاومة الفلسطينية (منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها الفدائية) كلاعب أساسي ومستقل في مواجهة الاحتلال.
أصدر مجلس الأمن الدولي في تشرين الثاني / نوفمبر 1967 قراره الشهير رقم 242، والذي يطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها مقابل إنهاء حالة الحرب، وهو القرار الذي صار مرجعية لكل مفاوضات السلام اللاحقة.
فرضت نتائج الحرب واقعاً مشحوناً برغبة عربية عارمة في غسل عار الهزيمة واسترداد الأرض الكرامة، مما أدى مباشرة إلى حرب الاستنزاف ثم حرب أكتوبر 1973 التي حطمت أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر.
ــــــــــــ
إقرأ ايضاً
16 أيلول 1982م: بدء مجزرة صبرا وشاتيلا.. وسقوط أكثر من 3 آلاف شهيد