بوابة صيدا ـ في مثل هذا اليوم السادس من حزيران لعام 1982م (14 شعبان 1402هـ)، عبرت مجنزرات الاحتلال الإسرائيلي الحدود اللبنانية لتبدأ الفصول الأكثر دموية وبسالة في تاريخنا الحديث.
من حصار بيروت الناري إلى صمود قلعة الشقيف وصيدا و مخيم عين الحلوة، أراد "شارون" سحق الهوية الفلسطينية وتنصيب عروش حليفة، فارتكب المجازر بـدم بارد في صبرا وشاتيلا.
تعيد "بوابة صيدا" اليوم تفكيك الصندوق الأسود للاجتياح، لنروي لكم كيف انقلب السحر على الساحر، وكيف تحولت نشوة الغزو الإسرائيلي إلى لعنة سياسية أسقطت حكومة بيغن، وفتحت بوابات الجحيم على جنوده حتى اندحارهم عام 2000م!
في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 1969م (23 شعبان 1389هـ) تم التوقيع على اتفاق القاهرة، و أعطى التوقيع الشرعية لوجود وعمل المقاومة الفلسطينية في لبنان، وقبل نهاية عام 1969م اقتتل الجيش اللبناني مع المسلحين الفلسطينيين.. مما كرس واقعيا وجود السلاح الفلسطيني على الأرض اللبنانية.
من جانبه اعتبر العدو الإسرائيلي أن اتفاق القاهرة خرقاً للهدنة المعقودة بينه وبين لبنان سنة 1949م..
تحول لبنان، وتحديداً جنوبه والعاصمة بيروت، إلى معقل رئيسي لمنظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها الفدائية بعد خروجها من الأردن (أحداث أيلول الأسود 1970)، و باتت العمليات العسكرية ضد المستوطنات الإسرائيلية تنطلق بكثافة من الجنوب اللبناني.
نفذ الفلسطينينون العديد من الأعمال العسكرية ضد العدو الإسرائيلي مما جعل العالم يعتبر لبنان مرتعا لـ "الإرهابيين".
في 14 آذار/مارس 1978م (5 ربيع الثاني 1398هـ) أقام العدو الإسرائيلي حزاماً أمنياً بمسافة عشرة كيلو مترات لحماية شمال فلسطين من هجمات الفلسطينيين.
أدان مجلس الأمن هذه العملية مصدرًا القرار رقم 425 الذي يطلب من العدو الانسحاب الفوري غير المشروط من لبنان. وقد تجاهل العدو هذا القرار.
في 10 تموز/يوليو 1981م (9 رمضان 1401هـ) قام العدو بشن غارات جوية عنيفة على عدة مواقع في جنوب لبنان.
وفي 17 تموز/يوليو (16 رمضان 1401هـ) قصف مراكز قيادة حركة فتح والجبهة الديمقراطية في بيروت الغربية، واستمر القصف إلى يوم 24 تموز/يوليو (23 رمضان 1401هـ) وذلك بعد صدور قرار من مجلس الأمن في 22 تموز/يوليو (21 رمضان 1401هـ) يطالب فيه بوقف فوري للهجمات المسلحة على لبنان.
و تم وقف الاعتداءات بناء على مساعي موفد الرئاسة الأمريكي، فيليب حبيب، بين منظمة التحرير والعدو الصهيوني.
في 21 نيسان/ابريل 1982م (27 جمادى الآخرة 1402هـ) قصف سلاح الجو الإسرائيلي موقعا لمنظمة التحرير في جنوب لبنان وفي 9 أيار/مايو 1982م (16 رجب 1402هـ) قامت منظمة التحرير الفلسطينية بالرد بقصف صاروخي لشمال فلسطين المحتلة.
في 3 حزيران/يونيو 1982م (11 شعبان 1402هـ) وقعت محاولة لاغتيال سفير "إسرائيل" في بريطانيا "شلومو أرجوف" على يد "جماعة أبو نضال" (المنشقة عن منظمة التحرير)، فقام العدو وكردٍّ على عملية الاغتيال هذه بقصفٍ منشأت ومواقع تابعة لمنظمة التحرير في قلب بيروت، رغم علم الاستخبارات الإسرائيلية أن المنظمة لا علاقة لها بالعملية.
في اليوم التالي من محاولة الاغتيال والقصف الإسرائيلي لبيروت، قامت منظمة التحرير بقصف شمال فلسطين مرة أخرى وقتل في هذا القصف صهيوني واحد.
في 5 حزيران/يونيو 1982م (13 شعبان 1402هـ) بدأ العدو الصهيوني بقصف جوي ومدفعي كثيف على مدينة صيدا وقرى النبطية والدامور وتبنين وأرنون وقلعة الشقيف.
في تمام الساعة 10:35 من صباح يوم 6 حزيران/يونيو 1982م (14 شعبان 1402هـ) اقتربت 13 دبابة ميركافا عند جسر الحمراء الفاصل بين الجنوب والمناطق المحتلة منه، وكان هناك في تلك اللحظة 6 جنود هولنديين من قوات الأمم المتحدة عند الحاجز حاولوا منع الدبابات من التقدم بوضع عوائق على الطريق ولكن جنود الجيش الصهيوني استمروا بالتقدم هاتفين "نحن آسفون هذا غزو" و تمكن الهولنديون الستة من إعاقة تقدم دبابتين بصورة مؤقتة لكن هذا لم يدم طويلا فقد تبع الدبابات الأولى 1100 دبابة أخرى.
عبرت القوات الإسرائيلية الحدود اللبنانية برّاً وبحراً وجواً بأكثر من 60 ألف جندي، تحت غطاء جوي وقصف بحري عنيف.
تقدمت القوات الإسرائيلية عبر ثلاثة محاور رئيسية: المحور الساحلي (باتجاه صور وصيدا)، المحور الأوسط (باتجاه النبطية وقلعة الشقيف)، والمحور الشرقي (باتجاه البقاع لمواجهة الجيش السوري)، ولكنها واجهت مقاومة عنيفة من "الحركة الوطنية اللبنانية" والفصائل الفلسطينية و المجموعات الإسلامية الناشئة، وتعرض الجيش الصهيوني إلى مقاومة شرسة عند محاولته احتلال قلعة الشقيف الإستراتيجية، وصيدا ومخيمها، وخلدة والسلطان يعقوب..
قلعة الشقيف: سطرت حاميتها الفدائية ملحمة صمود أسطورية، حيث رفض المقاتلون الاستسلام وقاتلوا حتى الرمق الأخير في مواجهة لواء النخبة الإسرائيلي "غولاني"، ولم تسقط القلعة إلا بعد استشهاد كامل أفرادها.
مواجهة صيدا ومخيم عين الحلوة: شكلت مدينة صيدا ومخيم عين الحلوة عقدة عسكرية كبرى أمام دبابات الاحتلال، خاض المقاتلون حرب شوارع شرسة من مسافة صفر، وصمد المخيم لأيام تحت القصف السجّادي الطاحن، مما أجبر قادة العدو على الاعتراف بشراسة المقاومة الصيداوية والفلسطينية المشتركة.
خلدة والسلطان يعقوب: شهدت منطقة خلدة (مدخل بيروت الجنوبي) معارك بطولية أوقفت تقدم الآليات الإسرائيلية، في حين تكبدت إسرائيل خسائر فادحة في الأرواح والدبابات بمواجهة الجيش السوري في معركة "السلطان يعقوب" بالبقاع.
في 8 حزيران/يونيو 1982م (16 شعبان 1402هـ) اشتبك الجيش السوري لأول مرة في لبنان مع الجيش الإسرائيلي.
بعد 5 أيام فقط من الاجتياح تمكنت القوات الإسرائيلية من بسط سيطرتها على ثلث الأراضي اللبنانية.
في 9 حزيران/يونيو 1982م (17 شعبان 1402هـ) وصلت القوات الإسرائيلية إلى مشارف بيروت، وفرضت حصاراً برياً وبحرياً وجوياً خانقاً على بيروت الغربية دام قرابة 88 يوماً، قُطعت فيه المياه والكهرباء والمواد الغذائية عن المدنيين، وقُصفت المدينة بآلاف الأطنان من القذائف المحرمة دولياً (كالفوسفورية والانشطارية).
و تمكن سلاح الجو الإسرائيلي من تدمير عدة مواقع للدفاع الجوي السوري بالإضافة إلى إسقاط مقاتلة ميغ 21 سورية في اشتباك جوي ضخم بين 90 مقاتلة إسرائيلية و 60 مقاتلة سورية.
في يوم 14 حزيران/يونيو 1982م (22 شعبان 1402هـ) دخل الجيش الإسرائيلي شرق بيروت ذات الأغلبية المسيحية وطوق القسم الغربي من بيروت الذي كان معقلا رئيسيا للمنظمات الفلسطينية والقوى اللبنانية المتحالفة معهم.
مع اقتراب نهاية شهر حزيران/ يونيو كان هناك 100000 جندي صهيوني في لبنان بينما وصل عدد القوات السورية إلى 40000 وكان هناك 11000 مقاتل فلسطيني محاصرين مع ياسر عرفات في غرب بيروت.
في مطلع شهر تموز/يوليو قام الجيش الصهيوني بتشديد حصاره على غرب بيروت قاطعا وصول المواد الغذائية والماء إلى تلك المنطقة وتم منع الانتقال بين شطري بيروت واستمر القصف الصهيوني لغرب بيروت بصورة متفاوتة طوال شهر تموز/ يوليو.
في 12 آب/أغسطس 1982م (23 شوال 1402هـ) ومع الاقتراب من الوصول إلى اتفاق وشيك حول آلية مغادرة المقاتلين الفلسطينيين لبيروت قام العدو الصهيوني بحركة مباغة أثارت استغراب العالم وغضب الرئيس الأمريكي رونالد ريغان، حيث قام سلاح الجو بشن أعنف قصف جوي ومدفعي وبحري على بيروت استمر لعشر ساعات متواصلة وأدت هذه الحركة الغير متوقعة إلى إثارة غضب ريغان الذي اتصل هاتفيا مع مناحيم بيغن معربا عن استياءه الشديد من ذلك التصرف.
توصل الطرفان إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في 18 آب/اغسطس (29 شوال 1402هـ) بوساطة المبعوث الأمريكي فيليب حبيب وفي يوم 19 آب/أغسطس (30 شوال 1402هـ) خفف العدو من حصاره لغرب بيروت وسمح لإمدادات الصليب الأحمر بدخول بيروت الغربية، وانتهى الحصار بمسح كامل لثلث بيروت من الخارطة.
تشير التقديرات الموثوقة إلى استشهاد وإصابة أكثر من 20000 مدني وعسكري (غالبيتهم الساحقة من المدنيين اللبنانيين والفلسطينيين بسبب القصف العشوائي للمدن والمخيمات، وتشريد قرابة نصف مليون إنسان، وتدمير هائل في البنى التحتية والمباني السكنية في الجنوب وصيدا وبيروت.
و تكبد جيش الاحتلال خسائر هي الأقسى له منذ حرب 1973م، حيث قُتل قرابة 675 جندياً وضابطاً خلال المعارك وحصار بيروت، وأصيب الآلاف، فضلاً عن تدمير وإعطاب مئات الدبابات والمدرعات وسقوط بعض الطائرات.
استعمل العدو الصهيوني في هجومه على بيروت أسلحةً محرمةً دوليًا بدءًا من القنابل العنقودية والفسفورية مرورًا بالنابالم وألعاب الأطفال المفخخة، وانتهاء بقنابل بخار الوقود.
الأحزاب والجهات اللبنانية التي تعاونت مع الاحتلال
حزب الكتائب اللبنانية و"القوات اللبنانية": بقيادة بشير الجميّل، رأت هذه القوى في الغزو الإسرائيلي فرصة للتخلص من الوجود المسلح الفلسطيني والسوري وإعادة صياغة التوازنات اللبنانية. وقدمت بعض التسهيلات اللوجستية وتولت ضبط الأمن في المناطق الخاضعة لنفوذها بالاتفاق مع الإسرائيليين.
جيش لبنان الحر: بقيادة الرائد سعد حداد (ثم أنطوان لحد)، وهو فصيل عسكري انشق عن الجيش اللبناني في الجنوب، وتحول إلى "عميل" مباشر لإسرائيل، حيث تولى حماية الشريط الحدودي وقمع المواطنين اللبنانيين واعتقالهم في معتقل الخيام الشهير.
ارتكب جيش الاحتلال وحلفاؤه فظائع نكراء ضد المدنيين العزل، ومن أبرزها:
مجزرة صيدا (ملجأ مستشفى عين الحلوة): قصف الاحتلال الملجأ المكتظ بالنساء والأطفال، مما أدى إلى استشهاد المئات وتفحم جثثهم.
مجزرة صبرا وشاتيلا (16- 18 أيلول 1982): بعد انسحاب المقاتلين الفلسطينيين من بيروت واغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميّل، طوّق الجيش الإسرائيلي (بقيادة شارون) مخيمي صبرا وشاتيلا، وسمح لميليشيات "القوات اللبنانية" و "الكتائب اللبنانية" بدخول المخيمين وعلى مدار 72 ساعة، نُفذت مذبحة سادية بالبلطات والأسلحة الرشاشة أسفرت عن استشهاد ما بين 2000 إلى 3500 مدني فلسطيني ولبناني، في واحدة من أبشع مجازر القرن العشرين، وصدمت المجزرة الرأي العام الغربي، وخرجت مظاهرات تندد بالتواطؤ الإسرائيلي.
تبريرات القادة الإسرائيليين لغزو لبنان
مناحيم بيغن (رئيس الوزراء): حاول تسويق الحرب أمام الكنيست والعالم كـ "عملية دفاعية محددة" لحماية مستوطنات الشمال من الكاتيوشا، مدعياً أن الجيش سيتوقف عند حدود 40 كلم ولن يدخل بيروت، واصفاً الغزو بأنه "اقتلاع لبنية الإرهاب".
أرييل شارون (وزير الدفاع): كان العقل المدبر الحقيقي لتوسيع رقعة الغزو؛ وبرر حصار بيروت وتدميرها تكتيكياً بضرورة "تطهير العاصمة من المخربين"، وحاول التنصل من مجزرة صبرا وشاتيلا أمام "لجنة كاهان" التحقيقية زاعماً أن الجيش الإسرائيلي لم يكن يعلم بنوايا الميليشيات اللبنانية الانتقامية.
ردود الفعل الدولية والعربية
أدانت الأمم المتحدة الغزو وأصدر مجلس الأمن القرارين 508 و509 اللذين طالبا إسرائيل بالانسحاب الفوري وغير المشروط، لكن الولايات المتحدة الأمريكية استخدمت "الفيتو" مراراً لحماية إسرائيل ومنع فرض عقوبات عليها، واكتفت بإرسال المبعوث "فيليب حبيب" لتسوية خروج منظمة التحرير.
و اتسم الموقف العربي الرسمي بالضعف والعجز؛ حيث انشغلت دول الخليج والعراق بالحرب العراقية الإيرانية، واكتفت معظم الدول ببيانات التنديد الدبلوماسي والمساعدات الإنسانية الخجولة، باستثناء سوريا التي انخرط جيشها في مواجهات جوية وبرية مباشرة مع الإسرائيلين في البقاع وضواحي بيروت وتكبد خسائر كبيرة.
مهد اندحار فصائل منظمة التحرير وخروجها إلى تونس والشتات، وبشاعة الاحتلال، لولادة فجر جديد من المقاومة، حيث انطلقت "جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية" (جمول) و "المقاومة الإسلامية (الجماعة الإسلامية و التيار الإسلامي السني)" ثم ولد "حزب الله" كقوة مقاومة عقائدية تدين بالمذهب الشيعي حاربت الاحتلال بأسلوب حرب العصابات، وهو التحول الذي لم تحسب له إسرائيل أي حساب..
تسبب الغزو بأزمة نفسية وسياسية عميقة داخل المجتمع الإسرائيلي، فلأول مرة تشن إسرائيل حرباً بدون "إجماع شعبي"، وعُرفت بـ "فيتنام إسرائيل"، و أدت الاحتجاجات الضخمة ضد مجزرة صبرا وشاتيلا وحجم قتلى الجيش إلى استقالة شارون من وزارة الدفاع، واعتزال مناحيم بيغن السياسة حتى وفاته كئيباً.
و أجبرت ضربات المقاومة المتلاحقة جيش الاحتلال على الانسحاب التدريجي من بيروت والجبل وصيدا، والانكفاء إلى "الشريط الحدودي العازل" في الجنوب، حتى جاء الاندحار الكبير والهروب الإسرائيلي المخزي في 25 أيار عام 2000م (21 صفر 1421هـ) دون قيد أو شرط، لتسقط إلى الأبد أوهام إمبراطورية "سلامة الجليل".
ــــــــــــ
إقرأ أيضاً
"ليلة الطائرات الشراعية".. شاب يقتحم قاعدة عسكرية إسرائيلية على الحدود اللبنانية الفلسطينية